9 Jun 2020

اللواء محمد الصادق باشا أول من صور المدينة المنورة والكعبة المشرفة

 

نشر في الأهرام اليومي يوم 09 – 09 – 2016

في عصر ماقبل التصوير الفوتوغرافي كانت مخيلة المسلم الذي لم يتمكن من زيارة مكة عن الكعبة وما حولها تعتمد على الوصف الوارد في كتب التاريخ والجغرافيا والطوبوغرافيا،أو الرسوم التوضيحية للبيت العتيق في المخطوطات القديمة التي كانت ترسم فيها الكعبة بشكل ثنائي الأبعاد. الى جانب ذلك، هناك رسومات توضيحية تعود إلى القرون الوسطى لمكة المكرمة والمدينة المنورة مرسومة على الشهادات التي كان يقتنيها الحجاج معهم بعد أداء المناسك كوثيقة شرعية.
……………………………………………..
وفي أوروبا مع بداية العصر الحديث انتشرت بعض الرسوم واللوحات للبيت الحرام، التي كانت تطبع في كتب المستشرقين الأوائل عن الإسلام. وتعود أقدم لوحة زيتية للحرم المكي إلى بداية القرن الثامن عشر، والتي جلبها المستشرق السويدي ميخائيل إنيمان من اسطنبول خلال البعثة الدبلوماسية التي أرسلها بها الملك السويدي شارل الثاني إلى السلطنة العثمانية في عام 1709
الأميرالاي صادق
وظل الأمر كذلك حتى عام 1861حين قام محمد صادق باشا (1832-1902)، ضابط الجيش والمهندس المصري، بالتقاط أول صور للمدينة المنورة أثناء زيارته الاستكشافية في الجزيرة العربية، وبعدها في عام 1880 حين صور الكعبة في موسم الحج، وبهذا يدخل الأميرالاي أركان حرب صادق باشا التاريخ كأول مصور فوتوغرافي للبيت العتيق.
درس صادق باشا الهندسة الحربية في باريس في بداية حياته، ثم التحق بالجيش المصري ليعمل ضابطا ومساحا طوبوغرافيا. لا نعلم بالتأكيد أين تعلم صادق باشا التصوير، قد يكون في باريس أيام الدراسة، أوعلى ايدي المصورين الأرمن الذين استقروا في القاهرة في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر
.وفي أثناء خدمته العسكرية زار صادق باشاالجزيرة العربية ثلاث مرات، أولها عام 1860 ضمن فريق تم ارساله خصيصا لوضع خرائط وكتابات عن المنطقة بين البحر الأحمر والمدينة المنورة فيما يخص التضاريس، والمناخ، والطرق، والتجمعات البشرية مما يسهل طريق الحج.وفي هذه الرحلة حرص صادق باشا على حمل كاميرا خاصة به، والتي كانت معروفة آنذاك ب «كاميرا الكلوديون الرطب»Wet plate collodion camera.
وما أن وصل صادق باشا المدينة المنورة بعد ظهر يوم الثاني عشرمن فبراير من العام 1861، حتى وقف يحدق في المسجد النبوي في المدينة المنورة مع أداة تصويره إلى جانبه، ليلتقط منظر المسجد وقبته باللون الأبيض والأسود على طبيعتهما للمرة الأولى . ثم ذهب خارج المدينة لالتقاط مناظر بانورامية رائعة من المدينة وما حولها، وهو يعلم أنه أول من يقوم بهذا الأمر، كما سجل ذلك بكل فخر في ذكرياته عن هذه اللحظات على هامش الكتب التي ألفها عن رحلاته وعن مناسك الحج فيما بعد.
وإلى جانب الرسوم التفصيلية وصف صادق باشا المدينة وسكانها ولطف اخلاقهم وكرمهم مع الغرباء، وبشرتهم السمراء في الغالب، كما قدم وصفا دقيقا للمسجد النبوي وأنواره المشعة.
رحلة الحج .
وبسبب نجاح مهمته في المدينة المنورة، اختير صادق باشا ليكون ضمن رحلة لاتقل أهمية عن سابقتها في عام 1880، حين اصطحب الموكب الخديوي المرافق لقافلة الحجاج المصريين إلى مكة تحت إمارة اللواء عاكف باشا، والتي كانت تقطع الطريق البري عبر سيناء نزولا على ساحل البحر الأحمر في كل عام.وفي يوم الإثنين السابع والعشرين من سبتمبر من العام 1880انطلق الموكب كالعادة من ميدان محمد علي في حضرة الخديوي محمد باشا توفيق حيث استلم أمير اللواء عاكف باشا زمام جمل المحمل من يد الخديوي بحضور الوزراء، والقاضي أفندي، وشيخ الإسلام، والعظماء والأمراء.
وطبقا لما أورده صادق باشا في رحلته كان الموكب معنيا في الأساس بحفظ الصرة، والمحمل (وفيه كسوة الكعبة)، وخدمة وحماية الحجاج، وركب المحمل في المناطق والقرى التي يمر بها. كان الفوج يضم 241 عسكريا ومدفعين جبليين، وثلاثة وعشرين طوبجياً (مدفعياً)، بما في ذلك حكيم (طبيب)، وأجزجي (صيدلي)،كليهما برتبة يوزباشي، وفراشين لنصب الخيام، وضوئية لإشعال الأضواء،وسقائين وأمناءالكساوي لتفرقتها علي العربان، وما إلى ذلك مما
يكفي خدمة الحجاج.
وكانت مهمة صادق باشا في الفوج «أمين الصرة» نائبا عن الخديو في شئون الأموال المرسلة إلى الشريفين. وذكر محمد صادق بك أن»مبلغ الصرة كان 1363417 قرشاًللصرف علي خدمة الصرة ذهاباً وإياباً ومرتبات العربان ومجاوري مكة والمدينة وغيرها فضلاً عن الأمانات التي ترسل لأربابها ثلاثة قناطير من الشمع السكندري وعدد من الأكراك والبنشات والأقمشة والشيلان الكشميرية والشاش الأبيض.»
ولم ينس صادق باشا أن يأخذ الكاميرا ومعدات التصوير الفوتوغرافي معه هذه المرة كذلك.و لدى وصوله إلى مكة، قام بتصوير المسجد الحرام، والكعبة، ومنظر الحجاج، والصفا المروة، وقبر والدي النبي – عليه الصلاة والسلام،ومنى وعرفات.كما التقط صورة للشيخ عمر آل الشيبي، سادن وحامل مفتاح بيت الله الحرام. واللافت أن صادق باشا قام بهذه المغامرة مع علمه بالفتاوي الذي صدرت لتحرم التصوير مثل كتاب أصدره الشيخ المكي محمد حقي النازلي في القاهرة في العام نفسه ، حرم فيه التصوير بشكل واضح.
وقد زار صادق المدينة المنورة مرة أخرى وقام بتصويرالوالي شوكت باشا، والتقط بعض الصور البانورامية للمدينة. ولدى عودته إلى القاهرة بدأ صادق باشا بنشر الصور، مدمجة بانطباعاته عن تلك الرحلات.
اكتسب صادق باشا شهرة واسعة كمصور، وجغرافي،ومستكشف. حيث تم عرض الصور الأولي التي التقطها في المدينة المنورة في الجناح المصري في معرض فيلادلفيا في العام 1876، كما انتخب عضوا في الجمعية الجغرافية الخديوية في القاهرة في عام 1881. وقد توج صادق باشا شهرته في الأوساط الدولية بعد حصوله على الميدالية الذهبية في معرض المؤتمرالدولي الثالث للجغرافيين في البندقية بسبب صوره للحرمين.
وبعد ثلاث سنوات، رافق صادق باشا موكب الحج مرة أخرى كأمين للصرة. وتوفيت زوجته في مكة أثناء الحج في هذه الرحلة، وكفنت ودفنها الزوج المخلص في المدينة المنورة،
وقد تقاعد صادق من الجيش على رتبة لواء، وأصبح رئيسا للجمعية الجغرافية الخديوية. وقد نشر أربعة كتب عن مكة والمدينة والحج، وهي: «نبذة في استكشاف طريق الحجاز» (1877) «مشعل المحمل» (1881)، و «كوكب الحج» (1886)، و«دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج» (1896).
وقد منح محمد صادق لقب الباشوية وعين محافظاللعريش في عام 1902، ولم يبق في منصبه أكثر من شهرين حتى تعرض لضربة شمس، عاد بها إلى القاهرة حيث توفي في العام نفسه عن عمر يناهز السبعين..
………………………………………………….
استاذ الدراسات الاسلامية بجامعة اوترخت

“>

Copyright Umar Ryad - 2019

Powered By Raqmi